الشيخ محمد علي طه الدرة
607
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وهذا هو الشاهد رقم [ 966 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » . هذا ؛ والنّوم قسمان : نوم العين ، ونوم القلب ، فنوم العين : فترة طبيعية ، تعتري الإنسان ، وتتعطّل حواسّه بها ، وأمّا نوم القلب ؛ فهو تعطيل القوى المدركة ، والثّاني لم يقع منه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّ قلبه لا ينام ، كما في حديث الصّحيحين عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « إنّ عينيّ تنامان ، ولا ينام قلبي » ورحم اللّه البوصيري ؛ إذ يقول : [ البسيط ] لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له * قلبا إذا نامت العينان لم ينم وهذا ، والمنام مصدر بمعنى النّوم ، أو اسم مكان بمعنى موضعه ، أو اسم زمان بمعنى زمانه ؛ لأنّ مفعلا يصلح لهذا كلّه . هذا وقدمت السّنة بالذّكر ؛ لأنّها سابقة في الوجود على النّوم ، قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : والنّاس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحكي عن موسى على المنبر ، قال : وقع في نفس موسى : هل ينام اللّه جلّ ثناؤه ، فأرسل اللّه إليه ملكا . فأرّقه ثلاثا ، ثمّ أعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة ، وأمره أن يحتفظ بهما ، قال : فجعل ينام ، وتكاد يداه تلتقيان ، ثم يستيقظ ، فينحّي إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة ، فاصطفقت يداه ، فانكسرت القارورتان ، قال : ضرب اللّه له مثلا : أن لو كان ينام ؛ لم تمتسك السّماء والأرض ، ولا يصحّ هذا الحديث ، ضعفه غير واحد ، منهم البيهقيّ . انتهى . قرطبي . وفي مختصر ابن كثير عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ بني إسرائيل ، قالوا : يا موسى ! هل ينام ربك ؟ قال : اتقوا اللّه ! فناداه ربّه عز وجل : يا موسى ! سألوك هل ينام ربّك ؟ خذ زجاجتين في يديك ، فقم الليلة ، ففعل موسى ، فلمّا ذهب من الليل ثلث نعس ، فوقع لركبتيه ، ثم انتعش ، فضبطهما حتّى إذا كان آخر الليل ؛ نعس ، فسقطت الزّجاجتان ، فانكسرتا ، فقال : يا موسى لو كنت أنام ؛ لسقطت السّموات والأرض ، فهلكت ، كما هلكت الزّجاجتان في يديك ، فأنزل اللّه عز وجل على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم آية الكرسي ، رواه ابن أبي حاتم . أقول : خذ قوله تعالى في سورة ( فاطر ) رقم [ 41 ] : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً انظر شرحها هناك ؛ فإنّه جيد ، والحمد للّه ! . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ : لَهُ : أي : بالملك التام ، الجميع خلقا ، وعبيدا في قهره ، وتحت سلطانه ، وقد ذكر ما فيهما دونهما للردّ على المشركين العابدين لبعض الكواكب ، الّتي في السّماء ، والأصنام الّتي في الأرض ، يعني : فلا تصلح أن تعبد ؛ لأنها مملوكة للّه ، مخلوقة له ، والتعبير ب ما التي لغير العاقل ، للتغليب وفيه ردّ على المشركين الذين قالوا عن الأصنام ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ : الاستفهام معناه النفي ، وفيه ردّ لزعم المشركين : أنّ الأصنام تشفع لهم ، وهو كقوله تعالى في سورة ( النّجم ) : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي